ابن الجوزي

168

صيد الخاطر

تزوج ، واجتهد في المدافعة بالفعل لتتوفر القوة على إعادة العلم ، ثم لينظر ما يحفظ من العلم فان العمر عزيز والعلم غزير ، وان أقواما يصرفون الزمان إلى حفظ ما غيره أولى منه ، وان كان كل العلوم حسنا ولكن الأولى تقديم الأهم والأفضل ، وأفضل ما تشوغل به حفظ القرآن ، ثم الفقه وما بعد هذا بمنزلة تابع ، ومن رزق يقظة دلّته يقظته فلم يحتج إلى دليل ، ومن قصد وجه اللّه تعالى بالعلم دله المقصود على الأحسن « وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ » « 1 » . 122 - اتق اللّه ولا تغتر بالسلامة من أراد دوام العافية والسلامة فليتق اللّه عز وجل ، فإنه ما من عبد أطلق نفسه في شيء ينافي التقوى وإن قل إلا وجد عقوبته عاجلة أو آجلة ، ومن الاغترار أن تسيء فترى احسانا فتظن أنك قد سومحت ، وتنسى : « مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ » . وربما قالت النفس انه : « يغفر » فتسامحت ، ولا شك أنه يغفر ولكن لمن يشاء ، وأنا أشرح لك حالا فتأمله بفكرك تعرف معنى المغفرة . وذلك أن من هفا هفوة لم يقصدها ولم يعزم عليها قبل الفعل ، ولا عزم على العود بعد الفعل ، ثم انتبه لما فعل فاستغفر اللّه ، كان فعله وإن دخله عمدا في مقام خطأ ، مثل أن يعرض له مستحسن فيغلبه الطبع فيطلق النظر ، ويتشاغل في حال نظره بالتذاذ الطبع ، عن تلمح معنى النهي ، فيكون كالغائب أو كالسكران ، فإذا انتبه لنفسه ندم على فعله ، فقام الندم بغسل تلك الأوساخ التي كانت كأنها غلطة لم تقصد . فهذا معنى قوله تعالى : « إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ » . فأما المداوم على تلك النظرة ، المردد لها ، المصر عليها ، فكأنه في مقام متعمد للنهي مبارز بالخلاف ، فالعفو يبعد عنه بمقدار إصراره ، ومن البعد ألّا يرى الجزاء على ذلك كما قال ابن الجلاء : رآني شيخي وأنا قائم أتأمل حدثا نصرانيا فقال :

--> ( 1 ) يحتج بعض الجهلة بهذه الآية ، على أن التصوف يغني عن الطلب ، فينال صاحبه العلم وهو قاعد ، وذلك غلط لأن اللّه يعلم من يتقي ، والتقوى انما تكون في اتباع الأوامر واجتناب النواهي ، ومما أمرنا به طلب العلم ، فمن لم يطلب العلم لم يكن من أهل التقوى .